المقريزي

149

إمتاع الأسماع

الله ثم قال : [ ما بال ] ( 1 ) أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه ، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم [ له ] ( 1 ) خشية . وخرجه مسلم بنحوه أو قريب منه ( 2 ) . وخرج الترمذي من حديث سفيان عن عبد الرحمن بن زياد الأفريقي عن

--> ( 1 ) تكملة من البخاري . ( 2 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 15 / 115 ، كتاب الفضائل ، باب ( 35 ) علمه صلى الله عليه وسلم بالله تعالى وشدة خشيته ، حديث رقم ( 127 ) ، ( 128 ) . قوله : " ما بال أقوام " ، في رواية جرير " ما بال رجال " قال ابن بطال : هذا لا ينافي الترجمة ، لأن المراد بها المواجهة مع التعيين ، كأن يقول : ما بالك يا فلان تفعل كذا ، وما بال فلان يفعل كذا ، فأما مع الإبهام فلم تحصل المواجهة وإن كانت صورتها موجودة ، وهي مخاطبة من فعل ذلك ، لكنه لما كان من جملة المخاطبين ولم يميز عنهم ، صار كأنه لم يخاطب . قوله : " يتنزهون عن الشئ أصنعه " ، في رواية جرير " بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه " ، وفي رواية أبي معاوية : " يرغبون عما رخص لي فيه " . قوله : " فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية " ، جمع بين القوة العملية ، والقوة العلمية ، أي أنهم توهموا أن رغبتم عما أفعل أقرب لهم عند الله ، وليس كذلك ، إذ هو أعلمهم بالقربة ، وأولاهم بالعمل بها . قال ابن بطال : كان النبي صلى الله عليه وسلم رفيقا بأمته ، فلذلك خفف عنهم العتاب ، لأنهم فعلوا ما يجوز لهم من الأخذ بالشدة ، ولو كان ذلك حراما لأمرهم بالرجوع إلى فعله . قال الحافظ ابن حجر : أما المعاقبة فقد حصلت منه لهم بلا ريب ، وإنما لم يميز الذي صدر منه ذلك سترا عليه ، فحصل منه الرفق من هذه الحيثية ، لا بترك العتاب أصلا ، وأما استدلاله بكون ما فعلوه غير حرام ، فواضح من جهة أنه لم يلزمهم بفعل ما فعله هو . وفي حديث الحث على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وذم التعمق والتنزه عن المباح ، وحسن العشرة عند الموعظة ، والإنكار والتلطف في ذلك . قال الإمام النووي في شرح مسلم : فيه الحث على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم ، والنهي عن التعمق في العبادة ، وذم التنزه عن المباح شكا في إباحته . * وفيه الغضب عند انتهاك حرمات الشرع . وإن كان المنتهك متأولا تأويلا باطلا . * وفيه حسن المعاشرة بإرسال التعزير والإنكار في الجمع ، ولا يعين فاعله ، فيقال : ما بال أقوام ونحوه . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية " ، فمعناه أنهم يتوهمون أن سننهم عما فعلت أقرب لهم عند الله ، وإن فعل خلاف ذلك ، وليس كما توهموا ، بل أنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية ، وإنما يكون القرب إليه سبحانه وتعالى ، والخشية له على حسب ما أمر ، لا بمخيلات النفوس ، وتكلف أعمال لم يأمر بها . والله أعلم .